اليوم الوطني السعودي 96قريبًا — خصومات تصل إلى 96٪اكتشف العرض

لماذا أخشى مرحلة ما بعد الإنجاز أكثر من مرحلة الإنشاء؟

Getting your Trinity Audio player ready...

سأكون صريحًا منذ السطر الأول:
ما يقلقني في الاقتصاد السعودي اليوم ليس حجم المشاريع، بل ما سيحدث لها بعد أن تُفتتح.

نحن بارعون في الإعلان، في وضع الجداول الزمنية، في كسر الأرقام القياسية. لكن التجربة العالمية لا السعودية فقط، تقول إن اللحظة الأخطر لأي اقتصاد ليست لحظة البناء، بل لحظة التشغيل.

الإنجاز لحظة مجد… وما بعدها حساب طويل كمرحلة البناء، كل شيء يبدو واضحًا: ميزانيات تُضخ، شركات تتنافس، صور جوية جميلة، واحتفالات افتتاح.

لكن بعد أن تنطفئ الأضواء، يبدأ العمل الحقيقي: صيانة، تشغيل، أعطال، كلفة مستمرة، ورضا مستخدم لا يصفّق.

وهنا، للأسف، تتعثر دول كثيرة.

ما لا يُقال بصوت عالٍ، أن لا أحد يحب أن يقول هذا علنًا، لكن الحقيقة هي كثير من المشاريع تُصمَّم لتُبنى لا لتُدار لعشرين سنة.

الفرق بين الاثنين ليس تفصيلاً: البناء يُقاس بالمتر والخرسانة والتشغيل يُقاس بالزمن والاعتمادية.

وما يُقلقني أن بعض الشركات وحتى بعض الجهات لا تزال تفكر بعقلية “ننجز أولاً، ثم نرى”.

لكن “ثم نرى” في اقتصاد بحجم السعودية قد تكون مكلفة جدًا.

أحد أكبر الأسئلة التي أراها مطروحة اليوم في الكواليس: هل المقاول جزء من مستقبل المشروع… أم مجرد ضيف عابر؟

كثير من شركات المقاولات لا تزال تعيش على نموذج:

  • أقل سعر
  • أسرع تسليم
  • خروج هادئ بعد الاستلام

لكن المرحلة القادمة لا ترحم هذا النموذج. لأن التشغيل والصيانة لا يقبلان الأعذار ولا الحلول مؤقتة ولا “نمشيها” إما أن تكون موجودًا لعقود، أو خارج اللعبة.

التشغيل ليس ملفًا فنيًا بل سياسيًا، حين يتعطل مرفق حيوي لا يسأل الناس عن اسم الشركة ولا عن بند العقد، بل عن الدولة نفسها. لهذا أصبح التشغيل جزءًا من السمعة والثقة والاستقرار، وأي خلل بسيط يمكن أن يتحول إلى أزمة عامة.
هذا ما يجعلني أقول إن التشغيل ليس قطاعًا ثانويًا، بل واجهة الدولة اليومية.

من اقتصاد المشاريع إلى اقتصاد الأعصاب الطويلة وما نعيشه اليوم هو انتقال صعب من سباق الإنجاز إلى صبر الإدارة، من ضربة البداية إلى نفس الماراثون. وهذا الانتقال لا تحسمه الشعارات، بل كفاءة العقود وصرامة التشغيل وقدرة الشركات على التفكير بعشر سنوات للأمام

رأي الشخصي، أنا لا أشكك في الطموح ولا أقلل من حجم ما يُبنى. لكنني أؤمن أن الاقتصادات لا تُقاس بما تُشيّد، بل بما تُحافظ عليه.

السعودية اليوم أمام اختبار نضج، ليس في الرافعات بل في غرف التحكم وفي جداول الصيانة وفي التفاصيل التي لا تُصوَّر. ومن ينجح في هذه المرحلة، لا يبني مشاريع فقط… بل يبني ثقة طويلة العمر.

أحمد الأنصاري

كاتب رأي، رجل أعمال

Related Posts

هل “انكشف” الخليج فعلًا؟ قراءة نقدية لطرح Atlantic Council

أثار مقال “لقد انكشفوا” بتاريخ 20 أبريل 2026 حول حرب إيران ودول الخليج جدلًا واسعًا، خاصة في تصويره لما حدث باعتباره انهيارًا لنموذج كامل بنت عليه المملكة العربية السعودية والإمارات…

حين يدفع الاقتصاد ثمن الجغرافيا

في لحظات الاستقرار النسبي تبدو اقتصادات الخليج وكأنها تتحرك وفق معادلات مالية واضحة يمكن إدارتها بالأرقام والخطط طويلة المدى، لكن الجغرافيا في هذه المنطقة تذكّر الجميع بين حين وآخر بأنها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *