
|
Getting your Trinity Audio player ready... |
في لحظات الاستقرار النسبي تبدو اقتصادات الخليج وكأنها تتحرك وفق معادلات مالية واضحة يمكن إدارتها بالأرقام والخطط طويلة المدى، لكن الجغرافيا في هذه المنطقة تذكّر الجميع بين حين وآخر بأنها شريك صامت في صياغة المصير الاقتصادي، وأن أي توتر كبير في محيطها لا يبقى حدثًا عسكريًا فقط بل يتحول سريعًا إلى عامل اقتصادي مباشر.
الحديث عن احتمالات اتساع المواجهة مع إيران لا يُقرأ في الخليج كخبر سياسي بعيد، بل كاختبار فوري لقدرة الاقتصاد على امتصاص صدمات قد تبدأ في المضائق البحرية وتنتهي في ميزانيات الشركات وسلوك المستثمرين. فالممرات التي تحمل الجزء الأكبر من تجارة الطاقة العالمية تمر عبر نقاط حساسة مثل مضيق هرمز، وأي تهديد لحركتها لا يعني فقط اضطراب شحنات النفط، بل اضطراب سلسلة كاملة من التأمين البحري والتمويل التجاري وسلاسل الإمداد التي تعتمد عليها اقتصادات المنطقة.
في الأيام الأولى لأي تصعيد قد ترتفع أسعار النفط ويظن البعض أن ذلك مكسب مباشر للدول المنتجة، لكن هذه القراءة القصيرة تتجاهل أن ارتفاع الأسعار في ظل حرب أو تهديد بحرب يأتي عادة مصحوبًا بارتفاع أكبر في كلفة المخاطر، فالتأمين على الناقلات يقفز، وأسعار الشحن ترتفع، والشركات العالمية تعيد حساباتها بشأن الاستثمار طويل الأجل في بيئة تبدو غير مستقرة.
بالنسبة لدول الخليج التي تسعى إلى إعادة تعريف اقتصادها بعيدًا عن الاعتماد الكامل على النفط، يصبح هذا التوتر أكثر تعقيدًا، لأن المشاريع الجديدة في السياحة والخدمات واللوجستيات تعتمد أساسًا على صورة المنطقة كمركز استقرار وعبور آمن للتجارة، وهي صورة قد تتعرض للاهتزاز إذا تحولت التوترات مع إيران إلى صراع مفتوح أو حتى إلى حالة احتكاك دائم في البحر والجو.
المراقب من داخل المشهد الاقتصادي يدرك أن الضرر الحقيقي للحروب في الخليج لا يظهر فقط في توقف مشروع هنا أو تأخر شحنة هناك، بل في الطبقة غير المرئية من القرارات الاستثمارية التي تتخذها الشركات العالمية حين تعيد تقييم المخاطر الجيوسياسية وتقرر ببساطة نقل جزء من استثماراتها إلى مناطق أقل توترًا. في مثل هذه اللحظات تصبح قوة الاقتصاد الخليجي مرتبطة بقدرته على حماية مسار التنويع الاقتصادي من أن يُختزل مرة أخرى في تقلبات النفط والصراعات الإقليمية، لأن العودة إلى اقتصاد يعتمد على ارتفاع الأسعار في أوقات التوتر تعني عمليًا العودة إلى نقطة البداية التي تحاول هذه الدول تجاوزها منذ سنوات.
التحدي هنا ليس في منع التوترات الجيوسياسية، فهي غالبًا خارج سيطرة الاقتصادات نفسها، بل في بناء نظام اقتصادي قادر على الاستمرار رغمها، عبر تنويع مصادر الدخل، وتعزيز البنية اللوجستية، وخلق بيئة استثمارية تمنح الشركات ثقة بأن الأزمات لن تتحول إلى قاعدة دائمة.
الخليج اليوم يقف بين معادلتين صعبتين: جغرافيا لا يمكن تغييرها، وطموح اقتصادي يريد التحرر من قيود تلك الجغرافيا، وما ستكشفه السنوات المقبلة هو ما إذا كانت هذه الاقتصادات قادرة على تقليل كلفة الصراع الإقليمي على مسارها التنموي أم أنها ستظل تدفع جزءًا من ثمن كل توتر يحدث حولها حتى لو لم تكن طرفًا مباشرًا فيه.










