اليوم الوطني السعودي 96قريبًا — خصومات تصل إلى 96٪اكتشف العرض

حين يختبر الخارج ما بُني في الداخل

Getting your Trinity Audio player ready...

في الأوقات الهادئة تبدو خطط التحول الاقتصادي كأنها تسير داخل معمل مغلق يمكن التحكم في شروطه، لكن الواقع الجيوسياسي نادرًا ما يسمح للاقتصادات الصاعدة بهذه الرفاهية، فالعالم الخارجي يتدخل دائمًا في اللحظة التي يصبح فيها الداخل أكثر طموحًا. ما يحدث اليوم في الإقليم، مع تصاعد التوترات المرتبطة بإيران واحتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع، يذكّر بأن أي اقتصاد في هذه المنطقة لا يمكن أن يُقرأ بمعزل عن بيئته الأمنية والسياسية، لأن خطوط الطاقة والتجارة والتمويل لا تتحرك فوق خرائط اقتصادية فقط، بل فوق خرائط صراع أيضًا.

بالنسبة للسعودية، التي تسعى إلى إعادة تشكيل نموذجها الاقتصادي وتقليل اعتمادها على النفط وبناء قطاعات جديدة في السياحة والخدمات والتقنية، فإن أي تصعيد عسكري في محيطها المباشر يطرح سؤالًا غير مريح لكنه ضروري: كيف تحمي مشروع التحول الاقتصادي في بيئة قد تعود فيها المنطقة إلى منطق التوترات القديمة؟ الحرب، أو حتى احتمالها، لا تؤثر فقط على أسعار النفط كما يُختزل النقاش غالبًا، بل تعيد تشكيل حسابات المستثمرين، وترفع كلفة التأمين والتمويل، وتخلق طبقة إضافية من عدم اليقين حول الاستقرار طويل الأمد، وهي عناصر قد تبدو خارج الاقتصاد لكنها تتسلل سريعًا إلى قرارات الشركات والبنوك وصناديق الاستثمار.

المراقب من داخل المشهد يدرك أن قوة الاقتصاد السعودي في هذه المرحلة لا تقاس فقط بحجم المشاريع أو سرعة التنفيذ، بل بقدرته على امتصاص الصدمات الخارجية دون أن تتوقف العجلة الداخلية، لأن التحولات الكبرى لا تُختبر في اللحظات الهادئة بل في لحظات الضغط حين تتداخل الحسابات الأمنية مع الحسابات الاقتصادية. هنا يظهر الفارق بين اقتصاد يعتمد على موجة أسعار النفط و اقتصاد يحاول بناء بنية أكثر تنوعًا وقدرة على الصمود، إذ إن التنويع الحقيقي لا يعني فقط خلق قطاعات جديدة بل خلق اقتصاد قادر على الاستمرار حتى عندما تصبح المنطقة أقل استقرارًا مما خُطط له في نماذج النمو الأصلية. التصعيد مع إيران، إن تطور إلى صراع مباشر أو حتى ظل احتمالًا دائمًا في الخلفية، يضع هذا التحول أمام اختبار إضافي، ليس لأنه يهدد المشاريع مباشرة، بل لأنه يختبر قدرة الدولة على إدارة التوازن بين أولويات الأمن وأولويات الاقتصاد دون أن يطغى أحدهما على الآخر بشكل يربك المسار العام.

التجارب العالمية تشير إلى أن الاقتصادات التي نجحت في بيئات إقليمية متوترة لم تكن تلك التي تجاهلت المخاطر الجيوسياسية، بل تلك التي دمجتها في تخطيطها الاقتصادي منذ البداية، فبنت هوامش أمان مالية وتنظيمية تسمح لها بالاستمرار حتى عندما تتغير الظروف بسرعة.

في هذه اللحظة تحديدًا، لا يبدو التحدي في التنبؤ بما سيحدث في العلاقة المتوترة بين إيران وجيرانها بقدر ما يبدو في بناء اقتصاد قادر على التقدم حتى في ظل هذا الغموض، لأن المنطقة قد لا تمنح رفاهية الاستقرار الكامل، لكن الاقتصاد الذي يُبنى بعقل طويل النفس يستطيع أن يحوّل حتى بيئة غير مستقرة إلى مسار يمكن إدارته بدل أن يكون مصيرًا لا يمكن التحكم فيه.

أحمد الأنصاري

كاتب رأي، رجل أعمال

Related Posts

هل “انكشف” الخليج فعلًا؟ قراءة نقدية لطرح Atlantic Council

أثار مقال “لقد انكشفوا” بتاريخ 20 أبريل 2026 حول حرب إيران ودول الخليج جدلًا واسعًا، خاصة في تصويره لما حدث باعتباره انهيارًا لنموذج كامل بنت عليه المملكة العربية السعودية والإمارات…

حين يدفع الاقتصاد ثمن الجغرافيا

في لحظات الاستقرار النسبي تبدو اقتصادات الخليج وكأنها تتحرك وفق معادلات مالية واضحة يمكن إدارتها بالأرقام والخطط طويلة المدى، لكن الجغرافيا في هذه المنطقة تذكّر الجميع بين حين وآخر بأنها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *