
|
Getting your Trinity Audio player ready... |
في لحظات التحول الكبرى تميل الدول الطموحة إلى العيش ذهنيًا في الصورة التي تريد الوصول إليها قبل أن تكتمل شروط الحاضر الذي يحملها إلى تلك الصورة، فيتحول المستقبل من هدف بعيد إلى معيار فوري تُقاس به كل خطوة، ومع مرور الوقت يبدأ ضغط هذه الصورة في إعادة تشكيل القرارات اليومية حتى لو لم تكن البنية المؤسسية والتشغيلية قد استوعبت بعد حجم التغيير المطلوب.
ما يراه المراقب من داخل المشهد الاقتصادي اليوم هو أن الفجوة لا تكمن في غياب الرؤية ولا في ضعف الإمكانات، بل في أن التوقعات المستقبلية باتت أحيانًا أسرع من قدرة النظام الحالي على هضمها، فتتسارع الخطوات ليس فقط بدافع الضرورة بل بدافع الخوف من أن يبدو التقدم أبطأ مما وعدت به الخطابات الأولى. هذه الحالة ليست فريدة في تاريخ التحولات الاقتصادية، لكنها لحظة دقيقة لأن الحاضر حين يُدار بمعايير المستقبل فقط قد يفقد حساسيته لتفاصيل التنفيذ الواقعية، فتُتخذ قرارات مصممة لاقتصاد سيأتي بعد سنوات وكأنها قابلة للتطبيق الفوري دون كلفة انتقالية تُذكر، بينما الحقيقة أن أي انتقال واسع النطاق يحتاج مراحل وسيطة تسمح للمؤسسات والموارد البشرية ونماذج العمل بأن تتكيّف تدريجيًا لا قفزيًا.
المعضلة هنا ليست في الجرأة على الحلم بل في القدرة على حماية الحاضر من أن يُستنزف في خدمة صورة مستقبلية لم تكتمل بعد، لأن الاقتصاد لا يقفز ككيان واحد بل يتحرك عبر آلاف الوحدات الصغيرة التي تحتاج وقتًا لتعيد ترتيب سلوكها وعقودها وثقافتها التشغيلية بما يتماشى مع الاتجاه الجديد.
في السياق السعودي، حيث تتلاقى مشاريع إعادة الهيكلة مع أهداف تنويع مصادر الدخل وإعادة تعريف دور الدولة والقطاع الخاص، يصبح الحفاظ على توازن صحي بين ما يُراد تحقيقه وما يمكن امتصاصه فعليًا شرطًا أساسيًا للاستدامة، إذ إن المستقبل حين يسبق الحاضر بفارق كبير يتحول من قوة دفع إلى مصدر ضغط، وتبدأ القرارات تُقاس بمدى انسجامها مع الصورة الكبرى لا بمدى ملاءمتها للواقع المرحلي. التجارب الدولية تشير إلى أن الاقتصادات التي نجحت في التحول لم تكن تلك التي أسرعت أكثر من غيرها، بل تلك التي أدارت الفارق بين الحلم والقدرة بهدوء، فسمحت لبعض القطاعات بالتقدم أسرع وأبطأت قطاعات أخرى دون شعور بالارتباك أو الاتهام بالتراجع، لأن النضج المؤسسي يظهر في القدرة على الاعتراف بأن الطريق إلى المستقبل ليس خطًا مستقيمًا بل مسارًا متعرجًا يتطلب إعادة معايرة مستمرة.
وفي لحظة كهذه، لا يصبح التحدي في رسم الصورة الكبرى للمستقبل، بل في حماية الحاضر من أن يتحول إلى مجرد ممر مرهق نحو تلك الصورة، لأن الاقتصاد الذي يحافظ على توازنه أثناء العبور هو وحده القادر على الوصول دون أن يدفع ثمنًا يفوق ما كان مستعدًا لتحمله.










