
|
Getting your Trinity Audio player ready... |
في كل مرحلة تحول اقتصادي عميق تظهر لحظة يتغير فيها معيار النجاح من القدرة على الدفع إلى الأمام إلى القدرة على التكيّف مع ما تم دفعه بالفعل، فالتوسع السريع يختبر طاقة النظام على الإطلاق، بينما المرونة تختبر قدرته على الاستمرار عندما تتغير الظروف أو تضيق الخيارات أو تتبدل أولويات التمويل، وما يراه المراقب من الداخل اليوم هو أن النقاش لم يعد يدور حول إطلاق مشاريع إضافية بقدر ما يدور حول كيفية تعديل المسارات القائمة دون أن يُفهم ذلك كتراجع أو فقدان ثقة.
السرعة تصنع العناوين، لكنها لا تصنع دائمًا هامش المناورة، لأن القرارات التي تُتخذ في زمن الوفرة تصبح أكثر صعوبة في زمن الانضباط، وحين لا تكون آليات التعديل جزءًا من التصميم الأصلي للمشاريع والسياسات تتحول أي مراجعة لاحقة إلى معركة إدارية أو سياسية بدل أن تكون ممارسة مؤسسية طبيعية.
في الاقتصادات التي عبرت مراحل مشابهة، لم تكن المشكلة في الطموح بل في صلابة الخطط الأولى التي افترضت ثبات الظروف العالمية وأسعار التمويل وسلاسة سلاسل الإمداد واستقرار المزاج الاستثماري، وحين تبدلت هذه العناصر فجأة وجد النظام نفسه مضطرًا إلى تغييرات مكلفة كان يمكن استيعابها مبكرًا لو وُضعت المرونة في قلب النموذج منذ البداية.
في السياق السعودي، حيث تتشابك مشاريع ضخمة مع أهداف طويلة المدى لإعادة تشكيل الاقتصاد، تصبح القدرة على إعادة الترتيب الهادئ واحدة من أهم مهارات المرحلة المقبلة، لأن الاقتصاد الذي لا يملك مساحات تعديل منظمة يضطر غالبًا إلى تصحيحات حادة، بينما الاقتصاد الذي يبني هذه المساحات داخل عقوده وهياكله التمويلية وأنظمته التشغيلية يستطيع أن يغيّر الاتجاه دون أن يهتز المسار كله.
المراقب من الداخل يرى كيف يمكن لبعض المراجعات الصغيرة في شروط التشغيل أو جداول التنفيذ أو نماذج الشراكة أن تصنع فارقًا أكبر من إطلاق مبادرة جديدة بالكامل، لكن هذه المراجعات تتطلب شجاعة مختلفة عن شجاعة الإعلان، شجاعة الاعتراف بأن بعض الافتراضات الأولى تحتاج تحديثًا لا دفاعًا عنها فقط لأنها كانت مناسبة في لحظة سابقة. وفي لحظة كهذه، يصبح السؤال الحاسم ليس كم مشروعًا نستطيع أن نضيف، بل كم مشروعًا نستطيع أن نُدير بمرونة عندما تتغير المعادلات، لأن الاقتصاد الذي يتقن فن التكيّف لا يبدو دائمًا الأسرع في البداية، لكنه غالبًا الأكثر قدرة على البقاء عندما تهدأ العناوين ويبدأ زمن الاختبارات الطويلة.










