بين نظامٍ أُنشئ ليحمي الحقوق، وميدانٍ لا يزال يتعثّر في التطبيق، تتشكّل اليوم ثنائية معقّدة في العمل التطوعي.
واقعٌ واعدٌ بأطر تنظيمية تحمي الإنسان، وواقعٌ آخر يختبر صبره وقدرته على الثبات بين النوايا والإدارة.
تنبثق ماهية القوى الناعمة والعمل التطوعي من معنى إنساني سامٍ، يتخلله التأثير، وبناء الثقة، والحضور الاجتماعي، ويكون الإنسان جوهر هذه القوة وغايتها، إذ يرتكز التطوع في أساسه على القيم لا على العائد، وعلى الإيمان بالأثر لا على المكاسب.
منصة وطنية تحفظ الحقوق، وجهات لا تزال تتجاهلها
المتطوع اليوم في ميدان التطوع يبحث عن مهارة تُصقل، ونافذة تُفتح، وعلاقة مهنية قد تقوده إلى أول سلّم وظيفي. لا ينتظر المقابل المادي، ولا يسعى إلى صفقة رابحة؛ يكفيه أن يجد بيئة تحترم جهده وشغفه.
لم يعد العمل التطوعي في المملكة كما كان في السابق ساحةً مبهمة.
اليوم، ومع وجود المنصة الوطنية للعمل التطوعي وتنظيمات واضحة تحفظ للمتطوع حقه، أصبح الطريق أكثر أمانًا وموثوقية.
إذ تضمن المنصة للمتطوع، على سبيل المثال لا الحصر حقوقًا أساسية مثل: توثيق الساعات التطوعية، وصف المهام، وتقييم متبادل بين الجهة والمتطوع.
الدولة مشكورة، وضعت إطارًا يحمي الجهد البشري من الضياع، ويحوّل المتطوع من مبادرة وجدانية تشاركية إلى مسار أكثر تنظيمًا يمكن البناء عليه.
ومع هذا التقدير، يظل الواقع الميداني يحمل مشاهد مختلفة تمامًا.
يسأل المتطوع: أين الخلل؟ إذا كانت الحقوق واضحة، فلماذا يتعثّر التطبيق؟
حين يتخفّى الاستغلال خلف الكلمات البراقة
في عالم العمل التطوعي، لا يأتي الاستغلال بصورته الصريحة أو الجبرية. أحيانًا يتسلّل بخفية، متواريًا خلف مسميات براقة مثل: الفرصة، التجربة، خدمة المجتمع.
ومن خلف هذه العناوين الجذابة، قد تظهر ممارسات ناعمة يصعب على العين المجرّدة رؤيتها، لكنها قادرة على إعادة تشكيل العلاقة الإنسانية في بيئة العمل، لتتداخل فيها النوايا الطيبة مع سوء الإدارة، فتنشأ مساحة رمادية للمتطوع بين العطاء والاستنزاف بلطف.
الإنسان جوهر القوة لا وسيلتها
جوهر العمل التطوعي في الأصل قوة ناعمة اجتماعية، ولغة دبلوماسية تمنح صورة حضارية راقية، وتخلق انطباعًا إنسانيًا يعكس صورة المجتمع. لكن هذه القوة حين تُدار بعقلية المقاولات قد يختفي بريقها، عندما يتحول الإنسان إلى مورد ضمن الميزانية التشغيلية، وتصبح برامجه أهدافًا رقمية لا رسائل إنسانية.
سمعت مرارًا، في أكثر من بودكاست، مقولة تقول: «حين يدخل المال إلى التطوع يفسده»، وأرى أنه لا يمكن تعميم الفكرة، لكنها تنبّه إلى معادلة دقيقة: إذا أصبحت الإدارة مادية أكثر من كونها إنسانية، فمن الطبيعي أن يتراجع المتطوعون خطوة إلى الوراء، تأكيدًا على أن الإنسان هو مركز المعادلة، لا ميزانيتها.
القضية ليست صدامًا مع الجهات، ولا إنكارًا لجهود المخلصين؛ فهناك نماذج مشرّفة تستحق الإشادة بمجهوداتها، وتعمل بضمير يقظ ووعي إنساني قبل أي اعتبار آخر. جهات تقدّم تدريبًا حقيقيًا، وتدرج الساعات التطوعية فورًا عبر المنصة الوطنية، وتتعامل مع المتطوع كشريك نجاح، ووعود تُنفّذ لا تُقال فقط. هذه النماذج تثبت أن التطوع ليس معضلة بذاته، بل طريقة إدارته هي التي تصنع الفرق.
القوة الناعمة بين التأثير النبيل ومنطق الربح
ما يحدث في بعض ممارسات وصور العمل التطوعي اليوم لا يخرج عن كونه شكلًا من أشكال القوى الناعمة، لكن حين يُفرغ من بُعده الإنساني، ويُدار بمنطق الربح أو التوفير التشغيلي، يتحوّل من أداة تأثير نبيلة إلى وسيلة استنزاف صامتة. وبينما يحقق التطوع مكاسب مجتمعية ملموسة، يظل السؤال قائمًا: هل تستطيع الجهات أن ترى في المتطوع قيمة مضافة لا تكلفة مضافة؟
أم أنه سيبقى عالقًا في المنطقة الرمادية بين الشغف والمردود؟
القوى الناعمة في العمل التطوعي تحتاج مساحة للتأمل، حيث تتقاطع القيم مع التأثير، والعطاء مع الإدارة، والإنسان مع النظام.






اترك تعليقاً
شاركنا رأيك في الخبر