
|
Getting your Trinity Audio player ready... |
من السهل أن تبدو الصورة مكتملة حين يُنظر إلى الاقتصاد السعودي من بعيد: مشاريع تتوالى، إنفاق ضخم، وتحولات متسارعة تعكس رغبة واضحة في إعادة تشكيل المستقبل.
لكن الاقتراب من التفاصيل يكشف سؤالًا أكثر حساسية من أي رقم أو إعلان: هل يتقدّم الطموح اليوم أسرع من قدرة النظام الاقتصادي على استيعابه؟ الطموح في ذاته ليس عبئًا، بل ضرورة لأي اقتصاد يسعى إلى القفز إلى مراحل أعلى من القيمة، إلا أن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الطموح إلى استعجال، وحين يصبح الإيقاع هدفًا بحد ذاته لا أداة للوصول.
التجارب الدولية لا تُظهر أن الاقتصادات الأكثر سرعة هي التي صمدت، بل تلك التي أحسنت ضبط توقيت انتقالها بين المراحل، وفهمت أن التراكم المؤسسي يحتاج زمنًا لا تختصره الميزانيات وحدها. خلف الأرقام الإيجابية، هناك ضغوط لا تُقاس بسهولة: سلاسل توريد تُدفع إلى حدودها القصوى، كفاءات بشرية تُستنزف في سباقات متلاحقة، وقرارات استراتيجية تُتخذ أحيانًا قبل أن تنضج آثار ما سبقها، وهذه ليست أزمات قائمة بقدر ما هي إشارات إنذار مبكرة إن لم تُقرأ بوعي.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت السعودية قادرة على التباطؤ، بل ما إذا كانت قادرة على تحمّل كلفة تصحيح المسار لاحقًا، لأن كل قرار متسرّع يخلق التزامًا طويل الأمد ويجعل التراجع أكثر كلفة وأقل مرونة. الزخم يخلق صورة القوة، لكنه لا يختبر النضج، فالاختبار الحقيقي يبدأ حين تخف العناوين، وتدخل المشاريع مرحلة التشغيل والتقييم والمحاسبة، وهناك فقط يتضح أي المؤسسات بُنيت لتدوم وأيها صُممت لتلمع في لحظة. المستثمرون الذين ينظرون إلى المشهد بهدوء لا يطاردون عدد المشاريع بقدر ما يسألون عن قدرتها على الصمود، وعن نماذجها التشغيلية، وعن مخاطر التوسع السريع الذي قد يُضعف ما بناه الطموح ذاته.
السعودية تمر بمرحلة نادرة في تاريخها الاقتصادي، لكن المراحل النادرة لا تُدار بعقلية اللحظة، بل بعقلية العقد القادم، حيث لا يكون المطلوب مزيدًا من السرعة بقدر ما يكون المطلوب انضباطًا أعلى، ووضوحًا في ترتيب الأولويات، وشجاعة في إبطاء ما يحتاج الإبطاء، لأن أخطر ما قد يواجه اقتصادًا طموحًا ليس الفشل في الانطلاق، بل الإرهاق بعد الوصول.











