في المراحل الانتقالية الكبرى، لا يكون التحدي في إطلاق المبادرات بقدر ما يكون في إدارة كثافتها، فالكثرة التي تبدو علامة قوة قد تتحول سريعًا إلى عبء إن لم تُدار ضمن قدرة الاستيعاب المؤسسي والاقتصادي. ما يعيشه الاقتصاد السعودي اليوم ليس نقصًا في الأفكار ولا شحًا في التمويل، بل فيضًا من المشاريع والبرامج والمسارات المتوازية التي تتحرك في وقت واحد، وهو وضع نادر لكنه حساس، لأن التراكم السريع قد يخلق وهم السيطرة بينما يخبئ في داخله تآكلًا تدريجيًا في الجودة والانضباط. التاريخ الاقتصادي مليء بأمثلة لدول ربحت سنوات الطفرة الأولى ثم دفعت ثمنها لاحقًا حين اكتشفت أن كثرة الإنجازات لم تُترجم إلى متانة تشغيلية أو استدامة مالية طويلة الأمد، فالاقتصاد لا يُقاس بعدد ما يبدأ، بل بقدرة ما بدأ على الاستمرار دون دعم استثنائي أو تدخل دائم.
ما لا يُقال كثيرًا هو أن تعدد المشاريع يضاعف الضغط على القرار، وعلى الموارد البشرية، وعلى سلاسل التوريد، وعلى أجهزة الرقابة، وكلما زادت السرعة تقلّص هامش الخطأ المسموح به، فيتحول أي خلل صغير إلى أزمة ممتدة يصعب احتواؤها. الزخم الإعلامي قد يُغري بتوسيع الدائرة أكثر، لكن المؤسسات الناضجة تعرف أن لحظة التوقف المؤقت ليست تراجعًا، بل إعادة ضبط ضرورية تمنع الانزلاق من طموح محسوب إلى إرهاق صامت. المستثمرون الذين يراقبون المشهد عن قرب لا يقلقون من حجم المشاريع بقدر قلقهم من تداخلها، ومن قدرة الجهات المشغّلة على الفصل بين ما هو استراتيجي وما هو استعجالي، لأن الاقتصاد الذي لا يعرف متى يتوقف عن الإضافة قد يجد نفسه لاحقًا عاجزًا عن الصيانة.
السعودية اليوم أمام اختبار دقيق لا يتعلق بقدرتها على البناء أو التمويل، بل بقدرتها على إدارة الوفرة دون أن تتحول إلى عبء، وعلى اختيار المعارك التي تستحق الاستمرار وتلك التي يجب تأجيلها، لأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بلحظة الاندفاع، بل بالقدرة على البقاء متماسكًا عندما يخف التصفيق وتبدأ الحسابات الطويلة.






اترك تعليقاً
شاركنا رأيك في الخبر