اليوم الوطني السعودي 96قريبًا — خصومات تصل إلى 96٪اكتشف العرض

الأهرامات، هوغربيتس، ونحن: لماذا نخاف من قول «لا نعرف»؟

Getting your Trinity Audio player ready...

الأهرامات المصرية ليست في خطر، لكن الخطاب الدائر حولها، نعم، في خطر حقيقي.

الجدل الذي فجّرته نظريات بديلة، ارتبط اسمها مؤخرًا بشخصيات مثل فرانك هوغربيتس، لم يكشف شيئًا جديدًا عن الأهرامات بقدر ما كشف هشاشة النقاش العام عندما يواجه أسئلة غير مألوفة. القضية هنا ليست في صدقية هذه الطروحات، بل في طبيعة ردّ الفعل عليها.

الرجل ليس القصة… بل ردّة الفعل هي القصة، هوغربيتس ليس عالم آثار، ولا يقدّم أبحاثًا علمية محكّمة، ولا يشكّل تهديدًا حقيقيًا على التاريخ المصري. لكن حضوره الإعلامي تحوّل إلى اختبار غير معلن لمدى ثقتنا بمعرفتنا، ففشلنا فيه بسرعة.

القضية لم تكن ماذا قال، بل كيف ارتبك الخطاب بمجرد أن قيل شيء خارج السياق المألوف.

بين التهويل والإنكار يأتي النقاش العام منحصرا بين طرفين متقابلين:

تهويل يحوّل كل فرضية إلى أسطورة كونية وإنكار دفاعي يعتبر أي سؤال مساسًا بالهوية الوطنية، وكلاهما لا يخدم العلم ولا التاريخ ولا الوعي العام.

في مجتمعات كثيرة، يُنظر إلى الاعتراف بعدم اليقين على أنه ضعف.
أن تقول «لا نعرف بعد» ويعني: تراجعًا في الهيبة، اهتزازًا في السلطة المعرفية، فتح باب لا يمكن السيطرة عليه

لكن في العلم، عدم اليقين ليس فشلًا، بل منهجًا. والحضارات التي تتقدم لا تخشى الأسئلة المفتوحة،
بل تنظمها.

حين يتحوّل الإعلام من دليل إلى حارس، إن الدفاع عن الإرث الحضاري مشروع. لكن تحويل الإعلام إلى شرطي أسئلة ليس كذلك.

وعندما ينتقل الخطاب من الشرح إلى التوبيخ، ومن الأدلة إلى التخويف، فإنه لا يحمي الحقيقة، بل يدير القلق العام. وهذا قد ينجح لحظيًا، لكنه يضعف المصداقية على المدى الطويل.

عندما نتحدث عن مفارقة الحضارة القديمة، الحضارة التي بنت الأهرامات لم تكن تخشى التعقيد. جربت، أخفقت، أعادت الحساب، وطوّرت أدواتها.

فالغموض لم يكن فضيحة، بل جزءًا من الطموح. والمفارقة أن نخشى اليوم ما لم تخشه حضارة عمرها آلاف السنين.

الخطر الحقيقي ليس على التاريخ الخطر الحقيقي يتمثل في:

تحويل التاريخ إلى رواية مغلقة، الخلط بين السلطة واليقين، الاعتقاد بأن الصمت يحمي الحقيقة لا يفعل.

الحقيقة القوية تتحمّل الفحص. أما الأسطورة فتخافه.

الاعتراف بوجود أسئلة مفتوحة لا يشرعن الخرافة، ورفض الادعاءات غير العلمية لا يستدعي الذعر.

هناك مساحة ضرورية لطرح عقلاني يقول ببساطة: نحن نعرف الكثير. ولا نعرف كل شيء. وهذا ليس تهديدًا.

كلمتي الأخيرة، الأهرامات صمدت أمام آلاف السنين من التآكل والغزو وإعادة التفسير، وستصمد أمام نظريات الإنترنت.

الحقيقة ما يحتاج إلى عناية أكبر هو خطابنا العام وقدرتنا على مواجهة الفضول بثقة، لا بخوف. الثقافات القوية لا تُسكت الأسئلة، بل تتجاوزها.

أحمد الأنصاري

كاتب رأي، رجل أعمال

Related Posts

هل “انكشف” الخليج فعلًا؟ قراءة نقدية لطرح Atlantic Council

أثار مقال “لقد انكشفوا” بتاريخ 20 أبريل 2026 حول حرب إيران ودول الخليج جدلًا واسعًا، خاصة في تصويره لما حدث باعتباره انهيارًا لنموذج كامل بنت عليه المملكة العربية السعودية والإمارات…

حين يدفع الاقتصاد ثمن الجغرافيا

في لحظات الاستقرار النسبي تبدو اقتصادات الخليج وكأنها تتحرك وفق معادلات مالية واضحة يمكن إدارتها بالأرقام والخطط طويلة المدى، لكن الجغرافيا في هذه المنطقة تذكّر الجميع بين حين وآخر بأنها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *