
|
Getting your Trinity Audio player ready... |
في الدول التي تعيش لحظة تحوّل كبرى، يصبح القرار السريع فضيلة، لكنه قد يتحول إلى عبء إذا انفصل عن إيقاع الزمن الطبيعي للتنفيذ، فليست كل استجابة عاجلة دليل حُسن إدارة، كما أن التباطؤ المدروس ليس دائمًا علامة تردّد.
ما يختبره المشهد السعودي اليوم هو معادلة دقيقة بين الرغبة في الحسم والخوف من ضياع اللحظة، وهي معادلة لا تُدار بالشعارات ولا بالمقارنات السطحية مع تجارب دول أخرى، لأن لكل اقتصاد زمنه الداخلي الذي لا يمكن القفز فوقه دون تكلفة. القرارات حين تُتخذ بسرعة تفوق قدرة المؤسسات على الاستيعاب تتحول من أدوات ضبط إلى مصادر ضغط، ويبدأ التنفيذ في ملاحقة القرار بدل أن يكون امتداده الطبيعي، فتظهر فجوات صغيرة في البداية ثم تتسع بصمت مع الوقت.
الخطورة لا تكمن في اتخاذ القرار، بل في تراكم قرارات متتابعة قبل أن تُختبر آثار سابقاتها، لأن السياسة الاقتصادية ليست سلسلة أوامر بل عملية تعلم مستمر، وكل تجاهل لمرحلة التقييم يُراكم أخطاء مؤجلة لا تظهر إلا عند أول اختبار حقيقي في السيولة أو التشغيل أو الثقة.
في هذا السياق، لا يُقاس نضج الدولة بقدرتها على الرد السريع بقدر ما يُقاس بقدرتها على التمييز بين ما يجب أن يُحسم فورًا وما يحتاج إلى أن يُترك للوقت كي يعمل لصالحه، فالوقت في الاقتصاد ليس فراغًا بل موردًا، وإهداره لا يقل خطورة عن إهدار المال. المراقب من الداخل يدرك أن بعض القرارات كانت ستصبح أقوى وأكثر قبولًا لو مُنحت مساحة أطول للنقاش المؤسسي والتجريب المحدود قبل التعميم، لأن القرار الذي يُفرض قبل أن يُفهم يخلق مقاومة صامتة لا تظهر في البيانات الرسمية لكنها تتسلل إلى الأداء اليومي.
السعودية لا تعاني من غياب القرار، بل من ضغط اللحظة الذي يدفع أحيانًا إلى استعجال النتائج، بينما التجارب الأكثر استدامة هي تلك التي احترمت إيقاع التنفيذ وسمحت للوقت بأن يكون شريكًا لا عدوًا، فالدول لا تُقاس فقط بسرعة استجابتها، بل بقدرتها على اتخاذ القرار الصحيح في التوقيت الصحيح، وهو فارق صغير في الظاهر لكنه يصنع الفرق بين إنجاز عابر واستقرار طويل.










