لم تكن جنوب أفريقيا بالنسبة إلى غاندي مجرد مكان عمل في مهنة المحاماة، بل كانت أيضا ساحة تدريب حقيقية على النضال. فهناك واجه التمييز العنصري للمرة الأولى، وبلور فلسفته القائمة على المقاومة السلمية واللاعنف، أو ما يُعرف بـ"ساتياغراها".
من أهم أحداث تلك الحقبة حادثة القطار عام 1893. خلال رحلة عمل، طُلب من غاندي مغادرة عربة من الدرجة الأولى كانت مخصصة للبيض. رفض غاندي تنفيذ الأمر، فأخرجته الشرطة من القطار بالقوة. ويُقال إن تلك الليلة التي قضاها على رصيف محطة مهجورة كانت لحظة تنوير فارقة في حياته؛ إذ قرر بعدها ألا يعود إلى الهند، واختار أن يكرس حياته للنضال ضد التمييز العنصري الذي كانت تواجهه الجالية الهندية.
هناك أسس غاندي عام 1894، بالتعاون مع أبناء الجالية، منظمة سياسية لتنسيق النضال من أجل حقوق الهنود تحت اسم "مؤتمر ناتال الهندي". حوّلت هذه الخطوة أعمال الجالية الهندية المشتتة إلى قوة أجبرت السلطات على أن تأخذها في الحسبان.
من المحطات المهمة في جنوب أفريقيا أن غاندي قطع على نفسه عام 1906 عهدا بـ"براهماتشاريا"، أي العزوبة وضبط النفس. لم يكن ذلك بالنسبة إليه مجرد خيار روحي شخصي، بل وسيلة للانضباط الذاتي بوصفه قائدا؛ فقد أراد البرهنة على أنه لا يسعى إلى السلطة ولا إلى الراحة الشخصية.
على الرغم من أن فكرة المقاومة من دون عنف تبلورت تدريجيا، فإنها اتخذت في جنوب أفريقيا شكل استراتيجية متماسكة وشاملة. في جنوب أفريقيا تحديدا، تبلورت المبادئ الجوهرية لـ"ساتياغراها"، وهي: المخالفة المتعمدة والمقاومة السلمية بلا عنف للقوانين الجائرة، والاستعداد لتحمل المعاناة، ومخاطبة ضمير الخصم.
غادر غاندي جنوب أفريقيا في 18 يوليو 1914. كانت الأحداث التي شهدها هناك هي التي صاغت فلسفته السياسية؛ فقد وصل إليها محاميا يبحث عن عمل، وغادرها وهو يحمل لقب "المهاتما"، بعد أن طوّر أساليب عدم التعاون، والعصيان المدني، والاعتماد على الذات المجتمعية.







اترك تعليقاً
شاركنا رأيك في الخبر