اليوم الوطني السعودي 96قريبًا — خصومات تصل إلى 96٪اكتشف العرض

حين تسبق الصورة الواقع: عن مخاطر إدارة الاقتصاد بعين الجمهور قبل عين النظام

Getting your Trinity Audio player ready...

في لحظات التحول الكبرى يصبح الرأي العام شريكًا غير معلن في صنع القرار، لا عبر التصويت أو التشريع فقط، بل عبر الضغط المعنوي الذي تخلقه التوقعات والصورة العامة والزخم الإعلامي، وحين تتحول هذه الصورة إلى معيار للنجاح قبل أن تتحول النتائج إلى وقائع تشغيلية مستقرة تبدأ فجوة دقيقة في التشكّل بين ما يُعلن وما يُدار فعليًا. لا يحدث ذلك بدافع المبالغة المتعمدة غالبًا، بل نتيجة تداخل طبيعي بين الرغبة في بث الثقة داخليًا وخارجيًا وبين الحاجة إلى الحفاظ على إيقاع سياسي واقتصادي سريع، غير أن الاقتصاد بطبيعته لا يعمل بمنطق العناوين بل بمنطق التراكم البطيء، وما يبدو منجزًا على الشاشة قد يكون في غرف التحكم لا يزال في مرحلة الاختبار والضبط والمعالجة.

الخطر لا يكمن في التواصل ولا في الطموح الخطابي، بل في أن يبدأ النظام نفسه في تصديق صورته قبل أن يكتمل نضجه، لأن القرار الذي يُصاغ لإرضاء التوقعات العامة قد يتجاوز أحيانًا حسابات الاستدامة الدقيقة التي لا تثير التصفيق لكنها تحمي المسار على المدى الطويل. المراقب من الداخل يرى كيف يمكن للضغوط غير المعلنة أن تغيّر ترتيب الأولويات، فيُقدَّم ما يظهر سريعًا على ما يُصلح عميقًا، وتُستعجل المراحل التي يفترض أن تُختبر على نطاق محدود قبل أن تُعمّم، وهنا تتسلل المخاطرة لا على شكل انهيار مفاجئ بل على هيئة تراكم صامت من الالتزامات المستقبلية التي يصعب تعديلها حين تتغير الظروف.

في اقتصاد بحجم وتعقيد السعودية، لا يكون التحدي في جذب الانتباه ولا في صناعة الثقة، بل في حماية القرار من أن يصبح أسيرًا لهذه الثقة نفسها، لأن الثقة حين تتحول إلى طلب دائم للتوسع قد تخلق دائرة يصعب كسرها حتى عندما تشير المؤشرات الداخلية إلى الحاجة لإعادة ضبط الإيقاع. الدول التي عبرت مراحل تحول مشابهة لم تسقط لأنها تحدثت كثيرًا، بل لأنها بدأت تقيس نفسها بما تقوله عن نفسها أكثر مما تقيسها بما يحدث فعليًا في خطوط التشغيل وسجلات الصيانة وحسابات الكلفة طويلة الأجل، وحين انفصل الخطاب عن التفاصيل اليومية فقدت القدرة على التقاط الإشارات المبكرة التي تنقذ المسار قبل أن ينحرف.

لهذا يصبح التحدي القادم ليس في إدارة الصورة بل في وضعها في مكانها الطبيعي كأداة دعم لا كمرجع قرار، وفي إعادة الاعتبار للأرقام الصامتة التي لا تتصدر العناوين لكنها تحدد مصير المشاريع بعد عشرين عامًا، لأن الاقتصاد الذي يحمي نفسه من سحر صورته الخاصة هو وحده القادر على تحويل الطموح إلى استقرار، والزخم إلى مسار طويل لا يحتاج في كل مرحلة إلى إثبات جديد بل إلى صيانة هادئة لا يراها أحد لكنها تمنع الانهيار حين تتغير الرياح.

أحمد الأنصاري

كاتب رأي، رجل أعمال

Related Posts

هل “انكشف” الخليج فعلًا؟ قراءة نقدية لطرح Atlantic Council

أثار مقال “لقد انكشفوا” بتاريخ 20 أبريل 2026 حول حرب إيران ودول الخليج جدلًا واسعًا، خاصة في تصويره لما حدث باعتباره انهيارًا لنموذج كامل بنت عليه المملكة العربية السعودية والإمارات…

حين يدفع الاقتصاد ثمن الجغرافيا

في لحظات الاستقرار النسبي تبدو اقتصادات الخليج وكأنها تتحرك وفق معادلات مالية واضحة يمكن إدارتها بالأرقام والخطط طويلة المدى، لكن الجغرافيا في هذه المنطقة تذكّر الجميع بين حين وآخر بأنها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *