
|
Getting your Trinity Audio player ready... |
لم يكن المشهد الذي انتظره الملايين لمناظرة “لقاء القمة” بين حراس التاريخ الرسمي وأنصار النظريات البديلة سوى “كمين” تلفزيوني محكم، أو كما وصفه صانع المحتوى شريف علي في حلقته الأخيرة من برنامج “البوابة”: “لم تكن مناظرة، بل كانت مذبحة”.
الحدث الذي أداره الإعلامي حمدي رزق تحت عنوان “الحضارة المصرية بين العلم والخيال”، جمع الدكتور زاهي حواس، “بابا الشغلانة” كما يُلقب، في مواجهة الدكتور وسيم السيسي، أستاذ جراحة المسالك والباحث الشغوف بالمصريات. لكن المعادلة لم تكن متزنة؛ فبدلاً من مبارزة فكرية “رجل لرجل”، وجد السيسي نفسه محاصراً أمام جبهة خماسية ضمت وزراء آثار سابقين وأساتذة أكاديميين وصحفيين، في مشهد أقرب للمحاكمة العلنية منه إلى البحث عن الحقيقة.
الغرانيت.. ولغز المهندس والحرفي
بدأت المعركة حين استشهد السيسي بكتاب كريستوفر دان حول “تكنولوجيا الفراعنة المفقودة”، طارحاً فرضية أن الأهرامات كانت محطات طاقة وليست مجرد مقابر. هنا، انبرى الفريق الأكاديمي (الدكتور ممدوح الدماطي والدكتور محمد حسن) لتسفيه المرجع، بحجة أن “دان” غير متخصص في الآثار.
لكن التحليل الموضوعي الذي طرحه الفيديو يثير تساؤلاً مشروعاً: أليس كريستوفر دان، وهو مهندس قضى 50 عاماً في “التصنيع الدقيق”، هو الأجدر بالحديث عن كيفية قطع الغرانيت بدقة الليزر؟ الرد الأكاديمي استند إلى “بردية ميرر” كدليل إداري على بناء الهرم، وهو ما رد عليه الفيديو بذكاء: البردية تشرح “اللوجستيات” ونقل الحجارة الجيرية، لكنها لا تفسر “المعجزة الهندسية” في قطع وتشكيل الغرانيت الصلب بتلك الدقة في توابيت السرابيوم، وهو ما عجزت التكنولوجيا اليابانية الحديثة عن محاكاته في تجربة 1978.
السخرية كسلاح بديل للحجة
المثير للأسف في تلك الأمسية لم يكن اختلاف الرؤى، بل المنهجية. تحولت المنصة إلى عرض كوميدي (Show) غرضه الضحك لا الإقناع. استخدم الدكتور زاهي حواس أسلوب “التنمر الخفي”، تارة عبر حكاية “الرجل ذو الشعر المنكوش” للإسقاط على غير المتخصصين، وتارة عبر الانفعال المبالغ فيه عند الحديث عن “وادي الملوك الأول” أو “الزئبق الأحمر”.
حتى عندما طرح وسيم السيسي فرضية “بردية الفاتيكان” والأطباق الطائرة، كان الرد بالتكذيب القاطع والسخرية من “الساحر الإيطالي”. هنا يتدخل شريف علي ببحث استقصائي بسيط يكشف أن مكتشف البردية (ألبرتو تولي) لم يكن ساحراً، بل مديراً للقسم المصري بمتحف الفاتيكان، مما يضع علامة استفهام حول دقة “الرد العلمي” الذي قدمه حواس.
علم أم كهنوت؟
أبرز ما كشفته هذه “المواجهة” هو الفجوة الواسعة بين المؤسسة الأكاديمية والجمهور. فبدلاً من تفنيد الأدلة علمياً، لجأ الفريق الأكاديمي إلى منطق السلطة: “نحن العلماء وأنتم الهواة”. تم تجاهل حقيقة أن نصوص الأهرام ظهرت في الأسرة الخامسة، بينما الأهرامات العظمى (الخالية من الكتابات) بنيت في الأسرة الرابعة، وهو تناقض جوهري لم يُجب عنه أحد بوضوح، وتم الاكتفاء بالردود المعلبة حول “تطور العقيدة”.
وخلاصة المشاهد، لم يخرج المشاهد من هذه السهرة بمعلومة يقينية، بل خرج بشعور بعدم الارتياح تجاه الطريقة التي يُدار بها النقاش العلمي في مصر. لقد ذهب الدكتور وسيم السيسي إلى “عرين الأسد” بصدر مفتوح ودون تحضير كافٍ لمواجهة هذا الحشد، فكانت النتيجة “علقة” فكرية، لكنها لم تحسم الجدل.
إن الانتصار بالصوت العالي والكثرة العددية والسخرية قد يكسبك “اللقطة” التلفزيونية، لكنه لا يغلق باب التساؤلات. وكما اقترح مقدم الفيديو، لو أردنا مناظرة حقيقية تحترم عقل المشاهد، لكان يجب استدعاء “رؤوس” الفريق الآخر مثل روبرت بوفال أو كريستوفر دان، في مواجهة متكافئة، بالحجة والبرهان، وليس بالاستعراض والضحك على الذقون.











