على مدى سنوات طويلة، تحدث الناجون من حادث تحطم طائرة الأنديز في 13 أكتوبر عام 1972، وهي الرحلة رقم 571 التابعة لقوات الأوروغواي الجوية، في عدة مناسبات عن تجربتهم الفظيعة، واصفين إياها بأنها كانت خيارا مؤلما، لكنه كان الوحيد الممكن. أكدوا أنهم يكنّون احتراما عميقا لذكرى رفاقهم الذين لقوا مصرعهم في تلك المأساة القاسية، وأنهم لم يتخذوا هذا القرار إلا بعد استنفاد جميع البدائل الممكنة، وفي ظل ظروف لا تُحتمل.
استمرت محنة هؤلاء الناجين في ظروف جبال الأنديز الباردة والثلجية والقاحلة لمدة اثنين وسبعين يوما، ولم ينج في النهاية إلا ستة عشر شخصاً فقط، بعد أن خاضوا معركة مريرة مع الجوع والعطش والبرد القارس والعزلة التامة عن العالم الخارجي، حيث لم يكن هناك أي أمل في الوصول إليهم أو إنقاذهم في وقت قريب.
كان الطريق نحو اتخاذ هذه الخطوة المصيرية طويلا ورهيبا، ولم يأت القرار بسهولة أو باستخفاف. في البداية، رُفضت الفكرة المخيفة التي اقترحها روبرتو كانيسا، والذي كان عمره وقتها تسعة عشر عاما، لا سيما أن معظم الضحايا كانوا من زملاء الدراسة أو الأصدقاء المقربين أو حتى أفراد الأسرة، ما جعل الفكرة تبدو وكأنها خيانة لأوثق الروابط الإنسانية.
قبل اتخاذ قرارهم النهائي بشأن أكل لحوم البشر، قام الناجون الشباب بتفتيش هيكل الطائرة المنكوبة عدة مرات، بحثا عن أي شيء بديل صالح للأكل، مهما كان تافها. قلّبوا كل زاوية وركن في حطام الطائرة، وفتشوا الأمتعة المتناثرة، ومدوا أيديهم داخل المقاعد الممزقة، على أمل العثور على أي مادة يمكن أن تسد رمقهم ولو للحظات.
استرجع خوسيه لويس إنسيارتي ذكريات تلك اللحظات الرهيبة، مشيرا إلى أن الناجين اجتمعوا وتناقشوا طويلا حول هذا الموضوع الشائك، وقال: "تجادلنا حول ما إذا كان ينبغي فعل ذلك أم لا، وكان النقاش ساخنا ومؤلما عاطفيا. عدم القيام بذلك يعني الموت المحقق، ولم يكن هناك حل وسط. قرر الجميع في النهاية أن يأكلوا، لأن الغريزة البشرية للبقاء كانت أقوى من أي اعتبار أخلاقي أو ديني في تلك اللحظة".
على الرغم من مشاعر الحزن والأسى التي رافقتهم طوال حياتهم، إلا أن الناجين لا يشعرون بأي ندم على ما فعلوه، بل يعتبرونه ضرورة قسرية فرضتها عليهم الظروف القاسية.








اترك تعليقاً
شاركنا رأيك في الخبر